... وقلمُ آخرُ ينكسر!

 

أبكي، أتذكر، وأصرخ، كيف؟ متى؟ ولماذا؟ لا أنتظر أجوبة على الجريمة بل أسأل عن الهدف من الجريمة.  كيف يلمع في ذهنهم أنّ قتْلَ أب، زوج، وربِّ عمل محبّ، يشفي غليلهم؟ متى يخطر في بالهم أنَّ التخلص من صاحب حق وحامل كلمة حرة يمكّنُهم من التخّلص من بصماته في قلب كل شخص، في ذاكرة كل لبناني أصيل؟  ولماذا اللجؤ الى تلك الوسائل القذرة التي لا تدل الاّ على ضعف المعتدي أمام قوة خصمه؟  فهو لا يجرؤ حتى على محاربته بنفس السلاح، سلاح الفكر والعقل والمنطق، ولكن أي منطق؟ منطق الدم والرعب والدموع، منطق الترهيب والقمع والاستبداد .

كسروا القلم، حّولوا النهار الى ظلام حالك، تخلصوا من "بوق" آخر،  هذا ما اعتقدوه، هذا ما حلموا به وخططوا من أجله، ولكنهم نسوا كيف تبنى الأوطان كيف تصنع الحريات وتصان الكرامات. تناسوا وجود لبنان، فاعتبروه ملكيتهم الخاصة، يهديها الملك الى معاونيه ليتسلوا به. إعتبرونا لعبة بين ايديهم. ولكن، لقد جاء من يذكّرهم انَّ اللبناني ليس أداة بين أيديهم بل حربة تغرز في مخططاتهم وأفكارهم الجهنمية.

سرقوا فرحة الأولاد قبل الميلاد. أحبطوا أحلام الشباب الذين قرروا ولأول مرة البقاء. كسروا قلب الأمهات وعذبوا الآباء. كل هذه الجراح أتت في صميم زهرة تنتظر ربيعها، ولكنهم جهلوا ان هذه الزهرة لم  تسقِها الدموع فقط  بل الدماء أيضًا، دماءُ شهداء عصفت فيها الكرامة وحب الوطن والعناد.

قتلوا سمير قصير، رفعنا في وجههم أقلامنا . مزقوا مي شدياق فكنا لها يدها وساقها . أمَّا الآن، وقد تخلّصوا من جبران التويني صوتنا المدوّي،  فارسنا النبيل،  مؤسس استقلالنا الجديد،  محدثنا البارع،  مهاجمهم اللاذع،  فبماذا نحاربهم؟ هم الذين يقاتلون الكلمة ويمحون الحبر، يغتالون الرؤيا، ويحاصرون الفكر.

تخّلصوا من جبران التويني. إصطادوا الديك. ولكن، ألن يعاود النهار شروقه بصياح ديوك أخرى ؟ فكما قال علي بن أبي طالب: "من صارع الحق صرعه"،  وكما قال شاتو بريان "الإرادة التي لا تثني تعلو على كل شيء حتى على الدهر" . وأعتقد أن إرادة جبران وعزيمته لن توقفَهما شحنة متفجرات.  فكما كانتِ الكلمة لهذا الكون بداية، ولحياتنا استمرارية، فكلمة جبران الخالدة ستعّلمنا كيف نبقى ونستمرّ ونحارب بالسلم .

لبرهةٍ، اعتقدت انهم سرقوا مني حلم لقاءك يا جبران، والتعلمَ منك والعمل معك.  ولكنني لم أجد نفسي الاّ، وكالعادة، أكتب إليك . في الماضي كنت أطمح أن تقرأ مقالاتي، وببسمتك المعتادة تقييّمها . أمَّا الآن فطموحي يتحقّق لأنك، وأنت في جنّات الخُلد، لا بد أنك تراني وتقرأ كتاباتي وتقييّمها هذه المرة، بإعطائي، وبإعطاء جيل لبنان الجديد الذي حلمت إرساءه على قواعد الوحدة، الدفعَ والإيمان بلبنان الغد، حيث تكون أنت الفرق بين الظلمة المخيِّمة على وطننا والنور الذي سعيت من أجله.

تريسي الحلو - الثاني (6)

 

Collège Notre-Dame de Jamhour, LIBAN
Bureau de Communication et de Publication © 1994-2008