في الصوم، الكلمة

 

Les autres billets de la quinzaine

 

غالبًا ما يشير السؤال عن الصوم وممارستِه إلى الصيام عن الأكل. وغالبًا ما ينحصرُ معنى الصوم في الصيام. لذلك سننطلق من هذا البعد المهمّ في الصوم لكي نضيء على جوانبَ أُخرى لا تقلّ أهميّة، يكتمل بها معنى الصوم.

إن كان الانقطاعُ عن الأكل أو تخفيفُه في فترةِ الصوم، بغيةَ تنظيمِ الأكل وتقويم العلاقة به فلأنّ الأكلَ يمكن أنْ يكونَ هدفًا وأن يُصبحَ التلذّذُ به الشغلَ الشاغل. فبدَلَ التغذّي بالأكل والتمتّعِ به، وهذا حقّ، يكونُ التلذّذُ به والانشغالُ تفكيرًا وجسداً ووقتًا... ممّا يجرّ إلى رذائلَ أُخرى ليست موضوعَ هذا النصّ. لكنّ الأكل لَن يُنظَّم إن لم يكن هناك خطوة إيجابيّة تُساعد على ذلك.  فلن يكفي الانقطاعُ عنِ الأكل أو تَخفيفُه، بل ينبغي تنظيمُه في سبيل تقويم العلاقة به، وهذا هو الجانب السالب من زمن الصوم. وأمّا الجانب الموجب، فهو مساعدة الفقير والصلاة والإصغاءُ إلى كلمةِ اللـه.

تعلِّم الكنيسة أنّ زمنَ الصوم يُقضى بالصيام (العلاقة بالمادّة)، وتقديمِ المساعدة للفقراء (العلاقة بالأشخاص)،  والصلاة (العلاقة بالله). إنّ الصيامَ، كما ذُكر سابقًا، ليس هدفًا بحدّ ذاته، إنّما غايتُه تنظيمُ العلاقةِ بالأكل وتقويمُها.  وإنّ مساعدةَ الفقراء لا تقتصر على المساعدة الماديّة، والفقيرُ ليس فقط فقيرَ المادة ولهُ الأولويّة، بل هناك مَن يحتاج إلى مساعدة جسدّية أو نفسيّة أو روحيّة، وإلى بنيان معنويّ بالحضور له والإصغاء إليه. ولهذا الجانب أهمّيّتُه البالغة في زمن الصوم. أمّا الصلاة فلا تقوم على الصلواتِ التقَويّة فقط، فإنّها تتجاوزُها لِتَشمل كلَّ ما نعمَلُه ونصنَعُه ليمجِّد اللـه، كما قال القديس بولس "وأنتم إن أكَلتُم أو شرِبتُم فليَكنْ ذلك تمجيدًا للـه".

ولكن أيضًا، إنّ الكنيسة تدعو، خاصةً في فترةِ الصوم، إلى مزيدٍ من الإصغاء إلى كلمةِ اللـه، الكلمة التي تغذّي النفس وتقوّيها، كما الأكلُ يغذّي الجسد ويقوّيه، وقد جاوب يسوعُ المجرِّبَ: "ليس بالخبزِ وحدَه يحيا الانسان بل بكلِّ كلمة تخرجُ من فمِ اللـه".  وما خرجَ من فمِ اللـه سوى كلمة واحدة منذ الأزل وهي ابنُه، وقد قالها في صمتٍ أزليّ، كما يقول القديس أوغسْطينوس.

فلْنَتغذِّ، في زمن الصوم، مِن "الكلمة" الذي صارَ جسدًا، وذلك بالمناولة في قداس يوم الأحد، لا بل في القداس اليوميّ، إن أمكن، ومِن مزيد من الإصغاء إلى الكلمة في الكتابِ المقدّس، كما في الوعظِ والإرشاد وتعاليمِ الكنيسة.

وليرافقْنا المسيحُ الربّ في مسيرتِنا نَحوهُ. فهوَ الهدف. ولتَتشفَّع لنا أمُّه مريم.

الأخ هشام الشمالي اليسوعي

 



Collège Notre-Dame de Jamhour, LIBAN
Bureau de Communication et de Publication © 1994-2008