أَيُّها الحَفْلُ الكَريمُ،
تَحْتَفِلُ جَميعُ دُوَلِ العالَمِ بِعيدِ اسْتِقْلالِها، وَِكُلُّ دَوْلَةٍ تَحْتَفِلُ بِهذِهِ المُناسَبَةِ عَلى طَريقَتِها الخاصَّةِ بِها. وَكُلَّما كانَ الاسْتِقْلالُ مُضَمَّخًا بِدِماءِ عَدَدٍ أكْبَرَ مِنَ الشُهَداءِ، كانَ الاحْتِفالُ مَدْعاةً لِلْفَخْرِ وَمُفْعَمًا بِالاعْتِزازِ.
الاسْتِقْلالُ هُوَ احْتِرامُ الآخَرِ، احْتِرامُ حُرِّيَّةِ الخَيارِ وَالاخْتِيارِ. الاسْتِقْلالُ هُوَ التَّعاوُنُ بَيْني وَبَيْنَ الآخَرينَ في سَبيلِ تَحْقيقِ الذّاتِ وَبِالتّالي تَحْقيقِ كَرامَةِ الوَطَنِ. اسْتِقْلالُنا يُحَقَّقُ وَيُحْفَظُ في اتِّحادِنا وَتَوَحُّدِنا، وَيَقْوى بِانْفِتاحِنا وَبِنَشْرِ ثَقافَتِنا وَحَضارَتِنا وَتاريخِنا بَيْنَ الأُمَمِ. إِنَّ الاحْتِلالَ هُوَ مُحاوَلَةً لإِنْهاءِ وُجودِ الدُوَلِ. لكِنْ كَيْفَ نُلْغي بَلَدًا أَنْجَبَ جبران خليل جبران، أَنْجَبَ ميخائيل نعيمة، سعيد عقل وَالأخْطَلَ الصَغيرَ وَكَمًّا مِنَ العَباقِرَةِ وَالمُبْدِعينَ؟ كَيْفَ نُلْغي بَلَدَ الحَرْفِ وَالأَرْزِ، كَيْفَ يُحْتَلُّ وَيُحْبَسُ مَنْ أَفْرَدَ جِناحَيْهِ وَطارَ عَبْرَ التاريخِ وَزَرَعَ أَيْنَما حَطَّ، لُبْنانَ.
وَمَنْ أَجْدَرُ وَأَقْدَرُ وَأَكْثَرُ انْدِفاعًا لِتَحْقيقِ اسْتِقْلالِ الوَطَنِ وَانْتِزاعِهِ وَتَرْسيخِهِ وَصَوْنِهِ غَيْرَ قَلبٍ نابِضٍ بِقُوَّةٍ، غَيْرُ صَوْتٍ صارِخٍ بِالحُرِّيَّةِ، غَيرُ شَبابِ الوَطَنِ الَّذينَ هُمْ دِرْعُهُ الواقي. فَبِقُوَّةِ عَزْمِهِِمْ وَإِرادَتِهِمْ وَعِلْمِهِمْ وَثَقافَتِهِمْ وَاتِّصالِهِم وَتَواصُلِهِمْ بِحَضاراتِ العالَمِ يَفْرِضونَ حَضارَتَنا وَوُجودَنا بَيْنَ تِلْكَ الحَضاراتِ، فَيُنْقِلونَ الوَطَنَ مِنْ مَساحَةٍ جِغْرافِيَّةٍ لَها حُدودٌ إِلى مَساحَةٍ حَضارِيَّةٍ تَجٍتازُ كُلَّ حُدودٍ فَيَصْبَحُ العالَمُ هُوَ الحُدودَ وَيَكونُ لُبْنانُ مِحْوَرَهُ.
وَمِنْ هُنا، مِنْ مَدْرَسَةِ سَيِّدَةِ الجُمْهورِ، أَعِدُ بِأَنّي وَأَصْدٍقائي عَلى مَوْعِدٍ قَريبٍ مَعَ وَرْشَةِ إِزالَةِ خُيوطِ العَنْكَبوتِ عَنْ كِتابِ حَضارَتِنا وَتاريخِنا وَأَصْلِنا الَّذي هُوَ قَبْلَ كُلِّ أَصْلٍ، وَأَنْ نَعْمَلَ بِكُلِّ ما عَلَّمَتْنا وَأَنْشَأَتْنا عَلَيْهِ هذِهِ المُؤَسَّسَةِ بِدْءًا بِاحْتِرامِنا لأنْفُسِنا وُصولا إِلى إِجْبارِ العالَمِ بِأَسْرِهِ عَلى احْتِرامِنا.
عاشَتْ مَدْرَسَةُ سَيِّدَةَ الجُمْهورِ، عُشْتُمْ وَعاشَ لُبْنان.
كارل جو مهنا الثالث (6)