أبتِ الرئيــس

زميلاتي وزملائي أفرادَ الهيئة التعليمية

أيهـا الطلاب الأعزاء، يـا مسـتقبل لبنـان وأمل اسـتقلاله

نقف اليوم جميعًا في ذكرى عيد الاسـتقلال وعيد العلَم نرنو إليه خفّاقًاعلى صاريه. نحيي شـهداءنـا الذين لوّنوا بالأحمر هذا العلَم، الذين آمنوا بديمومة اخضرار أرزته، والذين بذلوا حياتهم ثمنًا لنصاعة بياضه كي لا يتلطَّخ بأسـودِ العبودية.

الأعياد محطاتٌ نتوقف عندها لنتأمل ونعتبر بهـا.

وكم يجدر بنـا التأمل والاسـتعبار بهذه المناسـبة، لأنها ذات قيمة أسـاسـية راسـخة وثابتة، وإن تغير إطار فهمها واسـتيعاب مضامينها؟

نحن في زمن لم يعد فيه للاسـتقلال الناجز والتـام أو للحرية المطلَقة من معنًى لأن هذا المفهوم تبدّل مع تطوّر الحضارة وأصبح أمرًا آخرَ

فبدل الاسـتقلال أصبح علينا أن نفهم معنى الترابط والتعاون والمشـاركة.

وبدل الحرية أصبح علينا أن نعيَ حُسـن الاختيار.

هذه المسـتحدثات بالمفهومات القانونية هي نتيجة لحضارة الانسـان الحديثة:

فليس من دولة في العالم، مهما عظم شـأنها، تتمكَّن من المباهاة بأنها مسـتقلة اسـتقلالا تامًا، ولا تحتاج إلى غيرها من سـائر الدول.

فلو كانت منتجة صناعيًا فهي بحاجة إلى موادَّ أوّليةٍ لتأمين صناعتها، كما وهي بحاجة إلى أسـواقٍ في دول أخرى لتصريف إنتاجها وإلا انهارَ اقتصادها.

هذا ما حـثَّ الإنسـان الحديث على السـير بخطى سـريعة باتجاه العولمة. فالعالم كُلّه اليوم بـات كشـعبٍ واحدٍ لا يسـتغني بعضه عن بعض. وما نشـهده في اتحاد دول أوروبـا هو خير مثالٍ على ما نقول.

من هنا كانت ضرورة الترابط لتحلّ محلّ الاسـتقلال.

L'interdépendance diffère de la soumission mais remplace L'indépendance.

أمـا حُسـن الاختيار فهو المجال الذي يمكّننا من ممارسـة حريتنـا بعد أن سـقطتِ الحرية المطلقة.

فبقيتِ الدول التي تتمتع بحسـن الاختيار هذا قادرة على اختيار من تتعاون معه وعلى توقيع المعاهدات والاتفاقيات التي تحفظ لكلا الفريقين حقوقهما، وتجعل من هذه الاتفاقيات مجالا حرًّا لا اسـتعبادًا وتبَعيّة.

لـذلــك، نرى كثيرًا من الدول ترفض بعض العلاقات مع دول أخرى لأنها تتخذ الطابع القسـري، أو لا تراعي إرادة أبنائها.

أمـا نحن، فما شـأننا في لبنان من هذه المفهومات الحديثة؟

إننا نعاني، فعل،ا من أزمة الوصول إلى تحقيقها لأسـباب عديدة. أتوقف عند اثنين دون سـواهما:

1- إن توحيد القرار للوصول إلى الاختيار المناسـب أمر مُغيَّب عن سـاحتنا السـياسـية. فنحن نبدو كطوائفَ متعددةٍ، وأحزابٍ سـياسـية، وتيارات فكرية، وشـيَع تتناقض حينًا، ويناقض بعضُها نفسَه حيناً آخرَ. تحرِّكنا المصالح الأنانية والأهواء الشـخصية. فكأننا لا نسـتطيع أن نلتقي عند خيـار يوحدنا.

وهذه عقبةٌ كأداءُ في سـبيل تحقيق حسـن اختيارنا.

مشـكلتنا تكمن على مستوى الوعي.

فوعي حضارة اليوم، بالرغم، من انتشـار العلم ليس كافياً على صعيد تربية الفرد.

يُتحفك اللبناني بالقول: "أنـا حُرٌّ"، أما في الحقيقة فهو عبد لمصالحه وأنانيته ونزواته وهي الخصم الأول للإنسـان الحر.

فأفضل مَنْ تحرَّر هو الذي يتحرّر من رِبقة هذه التَّبِعات، ومن يكسـر قيود العبودية الداخلية في نفسه.

فلنبدأ أولاً بتحرير أنفسنا من أنفسنا.

حينئذٍ، نصبح قادرين على حسـن الاختيار الواعي، انطلاقًا من تقديم مصلحة الوطن على مصلحة الفرد، فتظهر إرادة الجماعة، وينصهر الفرد في الوطن، ليحقق ذاته بشـكلٍ أفضل.

فيحقُّ لنـا، عندها، أن نقول إننـا بدأنـا مسـيرة الحرية والاسـتقلال. فليكن هذا اليوم نقطة انطلاقٍ في هذه المسـيرة المباركة.

مَكَّننا الله من صناعة حريـتنـا.

ومَتَّعنا بالوطن الذي نحلم باسـتقلاله.

عشـتم وعـاش لبنـان مسـتقلا.

الأستاذ زياد شلهوب



Collège Notre-Dame de Jamhour, LIBAN
Bureau de Communication et de Publication © 1994-2008