وقائع تكريم الأستاذ جوزف أبو شقرا

كلمة الاستاذ جوزف ابو شقرا

 

 

سعادة مدير عام وزارة التربية الأستاذ جورج نعمه، ممثِّلاً فخامة رئيس الجمهوريّة العماد إميل لحود

حضرة الأب سليم دكّاش، رئيس مدرسة سيّدة الجمهور

آبائي الأجلاّء

حضرة الزميلات والزملاء

أحبّائي طلاّب مدرسة سيّدة الجمهور

أيّها الأصدقاء الأعزّاء

أبدأ يا سعادة المدير العام بشكر مزدوج لمن تمثّلون– عنيت فخامة رئيس الجمهوريّة– وقد غمرني بلفتته الكريمة هذه بتقديره إيّاي في وقت كثُرت فيه اهتماماته وانشغالاته بشؤون البلاد وقضاياها المصيريّة، بحيث يعزّ الزمن الذي يمكن أن يخصّصه لإنسان فرد عندما تلحّ متطلّبات الجماعة. والشكر الثاني لشخصكم العزيز الذي يجمع، إلى صفة المسؤول، ميزةَ الصديق الذي شدّتني إليه وشائجُ من تقدير ومحبّة نسجتْها علاقاتٌ خَبِرَها الزمن، فبدتْ من جوهر متين لا تقوى على تبديله ُندرة اللقاءات بيننا وقلّة المناسبات الحميمة.

أبت الرئيس إليكم أتوجّه بشكر خالص لما قمتم به من أجلي ولما تقومون به. ففي تلطّفكم هذا ما يحفّزني على الاستمرار في خدمة هذه المؤسّسة التي تُشرفون على إدارتها بحكمة الشيوخ وعزم الشباب وتخطيط أصحاب الرؤَى من ذوي البصائر الثاقبة.

ويا أيّها الزملاء الأحبّاء

كم تؤثّر فيّ مشاركتُكم في هذا التكريم، لاسيّما عندما أشعر بأنّكم تقومون بما تقومون به بعيدًا عن أجواء المجاملات. فقد عرفت معظمكم من الذين رافقوني في أنشطة لجنة الأساتذة، والذين رافقوني في فرع الدروس العربيّة، ووجدت منهم كلّ تعاون ومؤازرة للوصول إلى الأهداف وتحقيق الغايات. وقد أثمر هذا التعاون ما يصنّف من الانجازات الجليلة التي كان لها إسقاطات إيجابيّة على مصلحة المعلّمين الماديّة والتربويّة، كما حقّقتُ ما فيه مصلحة هذه المؤسّسة التي نحبّ.

وأيّها المتعلّمون

أذكّركم بأنّ كلّ ما تقدّم ذكره ما كان ليكون لولا وجودُكم أنتم، ولولا هاجسُنا بتوفير الأفضل لكم في حقلي التعليم والتربية. فأنتم المنطلق والغاية في الوقت نفسه، وأنتم سهام أحلامنا المنطلقة إلى الغد.

أيّها الحفل الكريم

يشرّفني تكريمكم إيّاي، وقد كان أجدرَ منّي بهذا التكريم اثنان أدين لهما بكلّ ما أنا عليه:

الأوّل هو المؤسّسة التي عملتُ وأعمل فيها، منذ ما يقارب الأربعين سنة، وكان لخطّتها التربويّة الأثرُ البالغ في تكوين مفهومي للتعليم والتربية، وهي الخطّة التي تنظر إلى الإنسان ككائن حرّ بأفكاره وأعماله، قادرٍ على إبداء الرأي في مجتمعه وثقافته بقصد نقد ما فيهما وتطويره أو تغييره. وهذا ما يميّز الإنسان في المجتمعات الراقيّة؛ أعني الإنسان الذي يبدو قادرًا على الانفتاح لاستيعاب ما يرتئيه الآخرون، لا الذي يطلب من الآخرين أن يقبلوا بما يرتئيه هو، وهذا ما يؤدّي إلى الانفتاح السياسيّ والإنسانيّ الشامل؛ توجّهه المبادئ الإنسانيّة المنبثقة عن الحريّة العقليّة، الأمر الذي يحقّق التجانس في المجتمع دون الانزلاق نحو التقوقع والانزلاق، أو فرض الرأي الواحد.

ومن خطّة هذه المؤسّسة ألاّ تعتبر التعليم والتثقيف غاية نهائيّة تسعى إليها بكلّ جهد وتتوقّف عند هذا الحدّ؛ بل تعتبر التعليم والتثقيف من باب تأمين الوسائل التي تقرّب الإنسان من الإنسان كما تقرّب الإنسان من الله. وهذا ما يعبّر عنه شعارُها "لمجد الله الأعظم".

ومن خطّة هذه المؤسّسة كذلك احترام الهويّة الثقافيّة للإنسان؛ فالانفتاح العالميّ على الإنسانيّة لا ينحرف نحو بعض مخاطر العولمة التي تشعر أحيانًا بفقدان ما يتّصل بالذات، أو ما يحاول تبديل الهويّة المميّزة للفرد وللجماعة.

وإذا سعت المؤسّسة اليسوعيّة إلى إعداد النخبة، وجعلت هذا الإعداد هدفًا أساسيًّا من أهدافها، فإنّما تسعى إلى جعل المتعلّمين متمكّنين من تحقيق أقصى ما يمكن من طاقاتهم- ولو تجاوز ذلك ما تتطلّبه البرامج الرسميّة- لأنّ أحد أهداف هذه التربية يرمي إلى تأمين الخدمة الفضلى للمجتمع؛ وتكون هذه الخدمة أفضل بمقدار المؤهّلات التي يتمتّع بها من يخدم الآخرين. ولذلك تُقاس مقدرة المتعلّم بالنسبة لطاقاته لا بالنسبة لسواه، ويُنظر في تقييم النجاح الختاميّ إلى ما توصّل إليه في مجال استثمار مواهبه لا إلى النجاح في شهادة أو امتحان، إذ يبقى هذا النجاح منقوصًا إن لم يبلغِ المتعلّم حدّ قدراته الأقصى.

وقد كان في هذه المؤسّسة سبق تربويّ لكثير من القوانين التي ظهرت بعد حين، وهذا مؤشّر على أنّ المعطيات الخُلقيّة، عند توفّرها تمكّن الإنسان من الاستغناء عن القانون: فهدف الحقوق التوصّل إلى مستوى الأخلاق. وإنّني أتمثّل على ما أقول باعتماد إدارة هذه المدرسة إنشاء لجنة لأولياء التلاميذ قبل قانون 11/81 والمرسوم  4564/81، وغيرها من القوانين.

واللافت في ما كانت تعتمده مدرستنا من نظام لهذه اللجنة أنّها أعطتها دورًا يكلّفها النظر في الخطط التربويّة والمشاركة في تنفيذها، ولم يقتصر دورها على النظر في النواحي الماديّة واحتساب الأقساط وحسب.

وكذلك كانت هذه المؤسّسة من أوائل المؤسّسات التي شكّلت لجنة من الأساتذة تضطلع بدورين بالنسبة للإدارة: دورٍ استشاريّ ودورٍ تمثيليّ. وبهذا أشعرتِ المعلّمين بأهميّة مشاركتهم والتزامهم؛ فلم يُنظر إليهم كأجراء يقومون بعمل ويتقتاضون عنه بدل أتعاب دونما أيّ همّ آخر.

لهذه الأسباب ولكثير غيرها، ولا أجيز لنفسي الحديث عنها كي لا أفسد على اليسوعيين ما يرتجونه من ثواب عند الله بتقريظ إنسانيّ عابر- أين هو؟ مهما بلغ شأنه، ممّا ينتظرهم من أجر- لهذه الأسباب أُقرّ بفضلهم على تكوين نظرتي التربويّة التي مكّنتني من تحقيق بعض النجاح في ما قمت به خلال عملي في هذه المؤسّسة.

وهنا أسارع إلى استماحة العفو عمّا صدر عنّي من تقصير، لكنّما الأعمال بالنيّات.

       أمّا ثاني من أدين له بما أنا عليه، فهم المتعلّمون الذين عايشتهم ورافقتهم جيلا بعد جيل.

هؤلاء حفَّزوني على العطاء – وقد يكون ما صدر عنهم عن غير قصد- عندما أشعروني بأنّهم يثقون بي ويتقيّدون بتوجيهاتي ويتبعون رأيي في حلّ مشكلاتهم وتبسيط معضلاتهم التعليميّة والتربويّة، وحتّى في بحث بعض القضايا الشخصيّة الحميمة التي كان ذووهم وأولياء أمرهم يجدون صعوبة في معالجتها معهم... وقد تركت هذه العلاقة أثرًا تحوّل فيما بعد إلى خميرة صداقة استمرّت إلى ما بعد المدرسة ولا أزال أفاخر بها حتّى اليوم.

هؤلاء المتعلّمون الذين أحببت وأحبّ دفعوني بأسئلتهم وجدالهم إلى إعادة النظر في معلوماتي، وحثّوني على العودة إلى المراجع والمصادر لتأتي إجاباتي عن أسئلتهم دقيقة ومنهجيّة؛ فكان لهم الفضل الكبير بأن ظللت تلميذًا حتّى هذه الساعة. إنّهم جعلوني شابًّا مع حبّي لشيبي.

وثمّة فضلٌ آخرُ منّ به عليّ من عرفني من المتعلّمين عندما أشعروني بضرورة التجدّد وبفوائد إعادة النظر في الطرائق التربويّة وأساليب العمل. ذلك أنّ تغيّر المعطيات الحضاريّة من جيل إلى جيل تنعكس على الطبائع والأخلاق والسلوك وتستدعي حتمًا تغيّرًا في منهجيّة العمل. وهذه الظاهرة ضرورة استراتيجيّة في عمل المربّي، وإن بدتِ الغاية من التعليم ثابتة لا تتغيّر إلى حدّ ما.

فشكرًا لهؤلاء المتعلّمين الذين عرفوني مقرونًا بحبّي وتقديري.

وللمؤسّسة اليسوعيّة وللقيّمين عليها أجيّر التكريم والتقدير مع كلّ امتناني ووفائي.

 

 

Collège Notre-Dame de Jamhour, LIBAN
Bureau de Communication et de Publication © 1994-2008