Homélie du P. Aziz Hallak

Printer-friendly versionSend by emailPDF version

العظة التي ألقاها الأب عزيز الحلاق اليسوعي في قداس افتتاح سنة اليوبيل لدير تعنايل والارض والمدارس.
الانجيل : يو 12/20-26
الرسالة : 2كور 4/20-26

أصحاب السيادة والمعالي
حضرات الأباء والاخوة والأخوات الراهبات
حضرات المعلمين والمعلمات شركائنا في العمل التربوي
حضرات المسؤولين والعاملين في اركانسيل
أيها الأصدقاء
نفتتح اليوم  احتفالاتنا بيوبيلات متعددة:
يوبيل 150 سنة للدير والارض
يوبيل 150 سنة لمدرسة سيدة التعزية تعنايل
يوبيل 125 سنة لمدرسة مار الياس تعلبايا
يوبيل 105 سنة لمدرسة سيدة التعزية جديتا

سنة اليوبيل في الكتاب المقدس هي فسحة من الزمن يخصصها الانسان لقراءة  مجرى احداث الحياة, وليسترجع مقاصدها الحقيقية. هو الزمن المكرس لله حيث تجد أعمالُ الانسان وانجازاتُه  معناها وغاياتُها, فكل عمل انساني إن لم يؤسس في الله يصبح مكان للعبودية, لذلك كانت سنة اليوبيل هي زمن المصالحة مع الله, مع الآخرين, مع  الطبيعة ومع ذواتنا, وهذا يُترجم باستعادة العلاقات الانسانية عافيتَها وصدقَها, فيطلق العبيد ويسامح الدّين, وتُرّيح الارض,  كي يتذكر الانسان أن الارض وما عليها هي عطية من الله للجميع, وانه الفاعل الحقيقي في الوجود.  
إن سنة اليوبيل هي أيضا زمن الشكر على كل ما حققه الله طوال هذه السنين من أعمال خيرّة وانجازات مباركة,  فينا ومن خلالنا وفي الآخرين. إن كلمة يوبيل تعني الفرح, الفرح لحضور الرب ومرافقته لنا على مدار هذا التاريخ الطويل.
هذا الفرح هو فرح الحصاد, هو فرح تحول حبة الحنطة الى سنبلة,  ولكن في زمن الحصاد يجب أن لا ننسى من زرعوا وتعبوا وجاهدوا لنصل الى ما نحن عليه اليوم.
في زمن الحصاد لا بدّ من التذكر والذكرى تحرك الزمن وتعطيه مضمونه. لأن الزمن دون الذكرى هو وعاء فارغ. ولا بدّ  لنا في هذا المقام من تذكر   تلك الحبات الاولى  التي وهبت حياتها لتكون لنا الحياة.  
إن مثل حبة الحنطة الذي أعطانا إياه يسوع في انجيل اليوم ينطبق على  قصة تأسيس الدير وما حوله من اراضي, ومدارس, فمن خلال هذا المثل يمكننا أن نقرأ  التاريخ  كي نتمثل أبعاده الانسانية والروحية والوجودية.
 ففي البديات كانت هنالك ستةُ  حباتِ من الحنطة أحبت هذه الارض وانغرست فيها  حتى الشهادة فأثمرت ثمرا كثيرا لا زلنا ننعم منه اليوم. ففي قصة حبة  الحنطة يكمن المعنى المسيحي لسر الوجود والحياة, أي الحياة المعطاة والموت عن الذات كمدخل لحياة جديدة :" إن حبة الحنطة التي تقع في الأرض إن لم تمت تبقى وحدها. واذا ماتت أخرجت ثمرا كثيرا"
ففي الاحداث المؤلمة لسنة  1860 وما نتج عنها من مذابحَ ومآسٍ وبؤسٍ,  فقد اليسوعيون ستة منهم: ثلاث لبنانيين, وسوري وايطالي وافرنسي. وما زالت اضرحتهم في كنيسة القلب الاقدس في الراسية بزحلة.
وكبادرة تعويض منحت السلطات العثمانية في ذلك الوقت أرضَ دير تعنايل التي نعرفها والتي تبلغ مساحتها 230 هكتارا.  ولكن هذه الاراضي كانت مستنقعات لا تُصلح لشيء سوى نقل الامراض والاوبئة, فشمر الاخوة اليسوعيون عن ذنودهم وحولوا المستنقعات الى اراضي خصبة ليُصرف مرددوها على الايتام والفقراء الذين  ازادات أعدادهم نتيجة تلك الاحداث حتى بلغت  في مرحلة ما الى 800 يتيم.  لكن الاهتمام بهولاء الايتام لم يقتصر على تأمين الغذاء والكساء بل كان لا بد من الاهتمام بتربيتهم.  والتربية تعتبرها الرهبانية اليسوعية الحجر الاساسي في بناء الانسان وتطوير المجتمع. فكان انشاء  المدارس بالشراكة مع راهبات القلبين الأقدسين.
واذا عدنا الى انجيل اليوم فإن مثل حبة الحنطة الذي يعطيه يسوع يقع في سياق طلب اليونانيين رؤية يسوع, والثقافة اليونانية تعتمد على الرؤية  بعكس الثقافة السامية التي تعتمد على السماع,  ولكن جوابه كان "مثل حبة الحنطة المخفية في الارض",نحن أمام المفارقة المسيحية الكبرى في الحضور والغياب, بين الرؤية والاختفاء, بين الظاهر والخفي, الموت والحياة, فحقيقة الاشياء لا تقع في مجال الرؤية, لكل شيء وجهه المرئي ووجهه اللامرئي, هكذا  حبة الحنطة عندما تسقط  في الارض وتنغرس فيها تختفي عن الانظار. ولا أحد يراها. ولكن هذا الاختفاء يحمل في طياته وعد السنبلة, إنها تموت وبموتها يكمن سر الحصاد, وحبة الحنطة الاولى هي يسوع المسيح, الذي بموته يفتح لنا الابواب لحياة جديدة.
إن هؤلاء اليسوعيين الستتة الذين استشهدوا على هذه الارض الطيبة, وأعطوا حياتهم على أرض البقاع العزيز هم على صورة معلمهم الذي بموته على الصليب حرر القوى القادرة وحدها على تغيير العالم, هذه القوى هي قوى المحبة,  فمن خلال موته يتلقى اليونانيون ثمار موته وقيامته. كذلك أعطى أولئك اليسوعيون حياتهم كي ننعم نحن بدورنا اليوم من ثمار  تضحياتهم.
إن في مثل حبة الحنطة ديناميكيةَ جديدةَ للحياة  والوجود. إن الحبة عندما تسقط في الارض تتمزق وتعاني من برد الشتاء ورطوبته وحر الصيف وجفافه,  ولكن الشتاء يبشر بالربيع,  والموت درب القيامة, دون هذا الانغراس في الارض تبقى حبة الحنطة وحدها في عزلتها العقيمة.
 إننا لا نبلغ كمال انسانيتنا الا في هذا التجرد عن الذات, "فمن اراد أن يحفظ حياته يفقدها"  ومن فقدها من أجلي يجدها", دون الخروج من الذات تبقى انسانيتنا سجينة الانا النرجسية, فالحياة تنمو فينا بقدر ما نبذلها في سبيل الاخرين حبا. هذا هو  الشرط الأساسي لحياة جديدة, لانسان جديد, وغايةُ التربية التي نبذل في سبيلها الغالي والرخيص هو تكوين هذا الانسان الذي يعيش من أجل الاخرين.
ولكن الثمر هو أيضا  نتيجة التفاعل بين حبة الحنطة والارض, هذه الارض هي ارض البقاع الخصبة, المضيافة,  هذه الارض الطيبة هي قلوب رجالِ ونساءِ هذه المنطقة بغضى النظر عن الانتماءات الطائفية,  هؤلاء شاركوا الرهبنة اليسوعية طوال هذه السنوات في الجهد والعمل الدؤوب  أكان ذلك في المدارس أو في الارض.  
إن الامانة لهولاء الذين وهبوا حياتهم وامتزجت دماؤهم بهذه الارض الطيبة ليكون الثمر وفيرا,  تحثنا  على التطلع نحو المستقبل, لتعميق الشراكة بين الرهبانية وأبناء  هذه المنطقة الذين يشاركوننا ذات الاهداف والمرامي, لأن الأمانة الحقيقية ليست نقلا عن الماضي بل هي القادرة على إعطاء أجوبة جديدة لعصر جديد.
واذا كان اليوبيل هو زمن الذكرى, زمن الشكر لله ولكل من ساهم وعمل في الدير والمدارس والارض,  فإنه بذات الوقت دعوة  للعمل في الحاضر والتحضير  للمستقبل وما يتطلبه ذلك من تطوير وتحديث للعمل الزراعي وللمؤسسات التربوية التي نديرها معا, يد بيد مع  شركاءنا العلمانيين.
في الختام أكرر الشكر لحضوركم ونسأل الله أن ينعم علينا في سنة اليوبيل هذه  القوة والنعمة والفرح لنكون بدورنا حبات حنطة تبذل ذاتها في سبيل الآخرين ونعمق التزامنا وخدمتنا هذه المنطقة في سبيل الانسان والوطن.  
                                لمجد الله الأعظم